الغزالي
72
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
حنظلة فقال له : يا ابن حنظلة احفظ عني شيئا أعلمك به . فقال له : لا حاجة لي به . قال : انظر ، فإن كان خيرا أخذت ، وإن كان شرا رددت . يا ابن حنظلة لا تسأل أحدا غير اللّه سؤال رغبة ، وانظر كيف تكون إذا غضبت ، فإني أملكك إذا غضبت . ومنها العجلة وترك التثبت في الأمور : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « العجلة من الشيطان ، والتأنّي من اللّه تعالى » فعند الاستعجال يروّج الشيطان شرّه على الإنسان من حيث لا يدري . فقد روي أنه لمّا ولد عيسى بن مريم عليه السلام ، أتت الشياطين إبليس فقالوا له : أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها ، فقال : هذا حادث قد حدث ، مكانكم ، فطار حتى أتى خافقي الأرض فلم يجد شيئا ، فوجد عيسى عليه السلام قد ولد ، وإذا بالملائكة حافّين به ، فرجع إليهم فقال : إن نبيّا قد ولد البارحة ، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا ، فايأسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ، ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفّة . ومنها الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال : من العروض والدواب والعقار ؛ فإن كلّ ما يزيد على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان . قال ثابت البناني لمّا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال إبليس لشياطينه : لقد حدث أمر فانظروا ما هو ، فانطلقوا حتى أعيوا « 1 » ثم جاؤوه وقالوا : ما ندري . قال : أنا آتيكم بالخبر ، فذهب ، ثم جاء وقال : قد بعث اللّه محمدا . قال : فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فينصرفون خائبين ويقولون : ما صحبنا يوما قطّ مثل هؤلاء ، نصيب منهم ثم يقومون إلى صلاتهم فيمحق ذلك ، فقال لهم إبليس : رويدا عسى اللّه أن يفتح لهم الدّنيا فنصيب منهم حاجتنا . وروي أن عيسى عليه السلام توسّد يوما حجرا ، فمرّ به إبليس ، فقال : يا عيسى ، أرغبت في الدنيا ؟ فأخذه عيسى عليه السلام فرمى به من تحت رأسه ، وقال : هذا لك مع الدنيا .
--> ( 1 ) أعيوا : تعبوا .